محمد محمد أبو موسى

58

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

كأنكم لم تسمعوا أنّ من له * عيال شقىّ دهره ليس يفلح قبيح بمثلى والبنون كما أرى * جنود فساد ليس في الألف مصلح تصدّ لنسل مثلهم . . . . * يولد فعال القبائح أقبح إذا ارتكب الابن الخليع فضيحة * فذاك لعمر اللّه للأب أفضح وكلّ صنيع ليس للنّفس جالبا * وجرّ وجوه الضرّ فالترك أروح « 15 » وليس الزمخشري بدعا في هذا ، فان كثيرا من الأفذاذ اختاروا هذه الطريقة ومنهم الكسائي والطبري وأبو حيان التوحيدي . ولعل أهم سبب يكمن وراء هذا السلوك هو انصراف همتهم إلى طلب العلم ، أو اغناء نفوسهم به ، ووجدان لذتهم في البحث والتحصيل ، وقد أشار الزمخشري إلى هذا في قوله : سهرى لتنقيح العلوم ألذّ لي * من وصل غانية وطيب عناق وتمايلى طربا لحلّ عويصة * أشهى وأحلى من مدامة ساق وليس غريبا أن ينصرف عن شواغل الصاحبة والولد من أخلص في الطلب وذاق حلاوة التحصيل . ولم يكن الزمخشري صاحب مال يشغله وربما لا يكون صاحب مال يكفى حاجته في معيشته ، وكم نظر في كفه فما وجد غير الأنامل : غنىّ من الآداب لكنّني إذا * نظرت فما في الكف غير الأنامل فانصرف الزمخشري إلى العلم وهو رجل خفيف الحاز لا مال ولا ولد ، فانهمك في التحصيل ، وأخلص في الطلب ، وشغل بالعلم في ليله ونهاره ، وفي يقظته ومنامه . فقد روى أنه سئل في المنام عن اشتقاق المعاداة فقال : « لأن هذا في عدوة ذلك في عدوة كما قيل : المخاصمة والمشاقة ، لأن هذا في خصم أي في جانب ، وذلك في خصم ، وهذا في شق وذلك في شق » « 16 » .

--> ( 15 ) ديوان الزمخشري ورقة 26 . ( 16 ) ينظر الكشاف ج 2 ص 160 .